الشيخ حسن الجواهري
24
دعوة إلى الإصلاح الديني والثقافي
أصيلين للإسلام ، رغم وجود اتجاه يدعو إلى الاستغناء عن السُنَّة النبوية ( بحجة أنَّ القرآن الكريم لم يترك شيئاً ولهذا قالوا : حسبنا كتاب اللَّه ) « 1 » ، إلّاأنَّ هذا الاتجاه رغم قدمه فقد انعقد استقرار المسلمين على خلافه . ومما لاشك فيه أنَّ القرآن الكريم قد وصل إلينا بالحفظ والكتابة التي حدثت في زمن الرسول صلى الله عليه وآله ، فهذا الكتاب الذي بين أيدينا اليوم قد تلقاه المسلمون صدراً عن صدر . وحفظاً عن حفظ ، وكتابة عن كتابة . إلّاأنَّ العقبة التي واجهها المسلمون كانت في وصول السُنَّة النبوية الصحيحة إلينا ، فقد وجدت العقبات التي حالت بين المسلمين أنْ يتلقّوا حديث نبيهم صلى الله عليه وآله بصورة دقيقة وكاملة . ولو لم توجد هذه العقبات من منع تدوين الحديث الشريف وتناقله بوقت مبكِّر جدّاً من عُمر الرسالة لما حدثت المشاكل بين المسلمين من اختلاف في المذاهب والأصول والفروع ، ولما ظهرت الانحرافات الكثيرة في الثقافة الإسلامية .
--> ( 1 ) قد ذكر العلماء وجوهاً عدة لتبرير الاستغناء عن السُنّة النبوية وكلها غير صحيحة في نظر علماء الإمامية ، وسأذكر باختصار شديد جداً هذه التبريرات وأرد عليها . 1 - مخافة انشغال المسلمين بالسُنّة وهجرهم للقرآن الكريم . وهذا باطل من وجوه ، لعلَّ أولاهما : تأكيدات السُنّة على الاهتمام بالقرآن الكريم وليس أدل عليه من قوله صلى الله عليه وآله : « اني تارك فيكم الثقلين » وقد بين صلى الله عليه وآله أنَّ أوّلهما كتاب اللَّه ، فكيف يصح التمسّك بالقرآن مع هجر السنّة ؟ 2 - مخافة اختلاط القرآن بالسُنّة وعدم التمييز . وهذا باطل من وجوه ، وأوضحها بلاغة القرآن التي وصلت إلى منتهى الذروة مع الإيجاز في العبارة وعمق المضمون « قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أَن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً » . 3 - اعتبار السُنّة رغبات واجتهادات شخصية غير ملزمة . وهذا باطل لنص القرآن : « وما ينطق عن الهوى إن هو إلّاوحي يوحى » . وهناك تبريرات أخرى لا مجال لذكرها تجدها في كتابات منتعرّض لتدوين السُنَّة النبوية كابن عبد البر والسيوطي والقاضي عياض وابن الصلاح وابن كثير وغيرهم . نعم المبرر الوحيد في نظر الإمامية لهذه الدعوى الباطلة هو السبب السياسي لا غير ، لأنَّ الأحاديث النبوية بيّنت بوضوح فضائل أمير المؤمنين عليه السلام وأولويته على سائر الصحابة ، فبقاء تلك الأحاديث في متناول أيدي الصحابة يُشكِّل أكبر وثائق الإدانة لمن أقصى الخليفة الشرعي عن الحكم ! ! لهذا اضطر عمر ومن تابعه لمنع تدوين الحديث بل والتحديث أيضاً لتعتيم هذه الحقائق وتزييف الوقائع .